الإبداع الكبير يستدعي وجود نقّاد كبار



نطالع كل يوم عددا لا بأس به من المقالات المدرجة تحت إسم (نقد) ونحار عندما لا نجد من النقد إلا الإسم فقط، فالمتابع للمشهد الثقافي والإبداعي العربي على العموم يشعر أنه أمام حالات خواء تتجلى في الاندفاعة لأعداد كثيرة من الكتب المسماة دراسات نقدية أو أدبية أو قراءات نقدية، وهي تبتعد عن النقد مسافات لا تُقدّر بالزمن العادي، بل ربما السنوات الضوئية ستكون قليلة إذا ما تم استخدامها للحساب، ساعد في ذلك العالم الافتراضي الذي أعطى الجميع مساحات متساوية في النشر والنقد لكل ما يخطر في البال.


اليوم صارت النظريات النقدية أكثر من المذاهب الأدبية كلها، وغدَت النصوص النقدية في الكثير من الأحيان بعيدة عن النَص المنقود وغرّد أصحابها في حقول أخرى لا علاقة لها بالنَص المراد دراسته، ناهيك عن تحوله (النقد) إلى مماحكات تنظيرية وثرثرة على ضفاف وتخوم نصوص هي في أفضل الأحيان ليست إلا تهويمات تشد إليها تهويمات أخرى لا أحد يعرف الغاية منها، وبالتالي غادر النقد والنقّاد الفعل الحقيقي، فلم يعد الأمر قراءة جمالية تحاول تلمُّس مواضع الجمال والقوة، وتشخِّص نقاط الضعف وترسم طريقاً للأفضل، وهذا ما جعل النقد بعيداً عن مهمته الأساسية التي عرفناها، وبالوقت نفسه قاد إلى ضياع آخر لا يقل خطورة عن فورة التجريب التي ضربت بكل الجذور خارج إطار الفعل الإبداعي.


ولا تخفى على المتابعين أهمية العلاقة بين النقد والإبداع، مهما حاول المبدعون تجاهلها فإنها تشكّل العلاقة الوثيقة التكاملية لما لها من أهمية... هناك الكثير من المقالات والأبحاث التي تتناول هذه العلاقة تحليلا ونقدا وجدلا وخصومة بين طرفيها... ومن المفروض أن تكون هذه العلاقة إيجابية وطيدة. في هذه الأسطر أتناول هذه العلاقة، وما ترتديه من أثواب، وما يتحكّم بها من أهواء. إن مهمة الناقد جليلة، وينظر لها بالإجلال إن أدّى الناقد واجبه بصدق وتفهم بعيدا عن الهوى لأن آفة الرأي الهوى.


فالنقد ليس سيفا قاطعا ولا سيلا جارفا، يستغلّها الناقد لتهميش المبدع وإلغاء الإبداع والتطاول على آراء الآخرين إن خالفوه النظر... فالنقد قضاء، والقضاء يعتمد على القاضي العادل والمحامي المنصف، ويحكم بينهما القانون والإلمام بروح القانون وتفهُّمه. أمام تجاوز هذه المكوِّنات تنشأ الأزمة وتتوتر الأجواء وتسوء النوايا... إن النقد عملية إبداعية تضاهي عملية إبداع النص، لأنه قراءة متأنيّة متبوعة بالتحليل والتقويم والتقييم، ولأنه يؤسِّس لمعرفة وتكوين ذوق عام... وهذا لا يكون إلا بيد من امتلك ناصية الذوق والعلم والقضاء والتجربة.


وبكل هدوء نتساءل: كيف يكون النقد إذا اقترب منه إنسان فارغٌ ومفلس ومتحامل؟ لا يفرق بين الأمر الشخصي والإبداعي؟ وراح يسيء استخدام وظيفة النقد متخلّيا عن الموضوعية التي تشكل إحدى الدعامات الأساسية للنقد والإبداع، وإحدى الدعامات الأساسية لتأسيس نهضة إبداعية فكرية.


إن المتابع للأنشطة الثقافيّة في شتّى مجالاتها وأماكنها ومنابرها يستطيع أن يدوِّن ملاحظاتِه، وبإمكانه أن يعبِّر عن رأيه... ويستطيع أن ْيشْتمَّ ما فيها من خلفيّات معدَّة وراء الكواليس، وذاكرتهُ تبسط أمامه أسماء من جعلوا أنفسهم أوصياء على المبدعين والمتابعين متدرّعين بغرورهم وصوتهم المرتفع وترتيبهم الأمور لمصلحتهم الخاصة، أما الموضوعية في النقد فلا يخفى أثرها الإيجابي، فهي ترسم معالم الشخص، وتدلّ على تكوينه ورجاحة عقله وغنى تجربته، والموضوعية تجعلنا أكثر قربا من جزئيّات النص روحا وجسدا، وتقرِّبنا من المبدع والناقد الذي يعكس في نقده رؤيته ومعرفته وذائقته، ويكون الناقد أكثر جمالا وأعمق تجربة عندما يستوعب آراء الآخرين، ويقتنع ببعض ما يقولونه، فلا يبدي تذمُّرا، ولا يقاطعهم بل يثني.


بمثل هذا يكتمل النقد، وينمو الإبداع، وتشرق الحقيقة ساطعة جلية، فالإبداع فريق عمل يشترك في تكوينه المبدع والناقد والمجتمع وصوت العقل، وهذا ما نراه في الهيئات الاستشارية على مستوى القانون والطب والسياسة والاقتصاد، ونحن أحوج ما نكون إليه في النقد، لا خيرَ من مقولة ناقد مُسبقةِ الصنع، وتُردَّد في كل مجلس، وتُسيِّر أسيرها حسب هواه، وبذلك يكون قد تخلّى عن أهم ركن من أركان البناء النقدي...


إن عدم معرفة الناقد لمنهجه النقديّ وعدم تفهُّمه لطبيعة كل نصّ يوقعانه في التناقضات التي تشوِّه صورته الشخصية والنقدية، فتجعله عرضة لألسنة الآخرين الذين لم تثقَب ذاكرتهم بعد، ولم تُسلَب عقولهم أمام العبارات الجاهزة. ما أكثر النقاد الذين حفروا أسماءهم بتعبهم وسهرهم، فراحت تجربتهم تتطوّر وتنضج، وهم مجرَّدون من المناورات والتكتيكات والشللية وتصفية الحساب، آراؤهم محترمة في المجالس والمنتديات، وإن خالفْتَهم الرأي، وهذا أمر طبيعي، ولكنهم لا يلغون الآخر في مجالسهم ومقابلاتهم، لا يبنون جنة ونارا لمن يشاؤون، فخصومهم في النقد والإبداع يحترمون مصداقيَّتهم ويدركون حدود الخلاف وطبيعته ومبعثه، ويتبنَّون القضايا سلوكا وإبداعا ومنهجا بعيدين عن البراقع والتذبذب والتسلح بمقولة "حسب مقتضى الحال" طبعا من طرفهم.


رحم الله من حاسب نفسه قبل أن يحاسبه الآخرون، ورحم الله من غاص في أعماق نفسه وتجربته قبل أن يغوص الناس في أعماقه فيكتشفون ما لا يسره... أهناك من يخالفني الرأي بأن النقد عمليّة أخلاقية ومعرفية وذوقية وإنسانية متكاملة؟ الناقد ليس رجل حدود وجمارك، يصادر الآراء دون معرفة الحدود التي تبيح له ذلك، وليس ممن يتكلّم، ورجالاتُه يهزّون رؤوسهم وينفذون، بمثل هذا الناقد تتضخم "الأنا" التي تصيبه بالتضخيم وداء العظمة والأنانية دون أن يدري أن عظمة الإنسان بعلمه وسلوكه ومنهجه الواضح وعطائه المتميز الذي ينصفه، ويبعث له من ينصفه دراسة وبحثا دون جري وراء اللقاءات التي بدأ الكثيرون يكتبون الأسئلة والأجوبة والساحة تشهد على ذلك... إن استئجار الآخرين والتلميعَ وتبادل الأدوار وغيرها لا تصنع ناقداً ولا مبدعا، بل توجِدُ ممثِّلا يؤدِّي دور "الكومبارس" فلا يظهر وإن ظهر مؤقتا، فسوف يأفل نجمُه إذا لم يمتلك موهبة حقيقية، تدفعه إلى الصف الأول... والشارع الثقافي العربي يذكر الكثيرين الذين احتلّوا ساحات واسعة وسُلِّطتْ عليهم الأضواء... أين هم الآن؟ وهل استمروا بعد ذلك...؟


أرى الناقد الموضوعي شجرةً مثمرة، جذرُها راسخ وممتد في الأعماق، وأغصانها وارفة تعطي الخضرة والظلال والثمار الناضجة، يتفيّأ بظلها الناس ويقطفون من ثمارها ما لذّ وطاب... ومع الزمن تتطاول قامتُها، وتتجذَّر في الأعماق، لا تهزُّها ريح، ولا تعصف بها العواصف، ولو كانت غير ذلك لاجتثّها صاحبها واستفاد من حطبها واستغنى عنها دون أسف... إن النقد يحتاج لصدر واسع ودأب متواصل، هذه الملَكة الراقية لا ترفعها الشهادة العليا، ولا تصونها في حال عدم وجود الموهبة والتحصيل، كثيرة هي الأسماء التي درس أصحابها النقد وعلم الجمال وفلسفة الفن في جامعات ومعاهد غربية، وحازوا على شهادات عليا، بعض هؤلاء عاشوا قبل عودتهم أحلام دخول عالم الكتابة النقدية والصحفية، ولكن دون جدوى، وذلك لأنهم تناسوا أو تجاهلوا أن الحياة الثقافية تحتاج إلى متابعين وباحثين وحاملين هموم الحياة الإبداعية، وعارفين بأدق ثغراتها وجزئياتها وتفاصيلها، لهذا ‏فلا حاجة للاستعلاء ومصادرةِ الآراء والاستهزاء بالآخرين والكيلِ بأكثر من مكيال والازدواجية، أعطني نقدا سليما معافى أعطِكَ مبدعين حقيقيين، التزموا الصمت وفضَّلوا الانسحاب إلى ذاتهم وبيوتهم تاركين الساحة لمن هبَّ ودبَّ وإني لألومهم وأعاتبهم بقسوة...


الحقيقة الثابتة، ليس كل ما يلمع ذهبا، وليس كل ما يقال بحقيقة مطلقة، فالنقد ملامسة شفافة للنص، وكشف لأسراره وبعث لقيم الخير والجمال من أعماقه، لا يحتاج لسيف أعمى ونار حاقدة، بل يحتاج لريشة رقيقة وهمسة لطيفة من إنسان يُحسِن التعامل مع المبدع والمتلقي، وإذا كان لا بد من الاعتراف بوجود قواعد نقدية علمية يجب اتباعها في خطوات تشريح وتحليل العمل الإبداعي، وجب علينا القول: إن هذه القواعد لا يمكن اكتسابها إلا بالقراءات النقدية المعمقة، لأنها هي التي تحدد عمل الناقد في رحلاته أو خطواته الاستكشافية، وهي خطوات لا يمكن أن تسبق العمل الفني، وإنما  تبدأ معه، ولذلك يخفق بعض النقاد الأكاديميين في استشراف أسرار وآفاق الكتابة التحليلية، لأنهم لا يتابعون ولا يقرؤون، ويضعون في تصوراتهم القواعد والعبارات المسبقة والجاهزة، ولأن الكثير منهم لا يعرفون في النقد إلا أن تكون هناك مقدمة وموضوع ونتيجة، وهذا النقد المعروض والمطروح هو فشل مسبق.


خلاصة الكلام: ثمة غربال له الحكم الفصل، هو غربال الزمن وقدرته على الفرز وفي أصعب الأحوال، والحقيقة هي أننا أمام فضاء مُغر بكل شيء، الأزرق بسحره وضجيجه يدفع بالكثيرين إلى سحر الشهرة دون أجنحة حقيقية، بعضهم يستعيرها من شمع، وآخرون من ورق، أما الحقيقيون فينطبق عليهم قول أحد النقّاد العرب: الإبداع الكبير يستدعي وجود نقّاد كبار، وهم حقاً موجودون، ولكن علينا أن نعمل مبضع الجراح في استئصال التهويمات اللغوية، من أجل دروب حقيقية، لا يأسرها الماضي، ولا تنسكب لتأخذ المياعة شكلاً...


ومن الأعماق أتمنّى من الناقد أن يسلِّط لسانه بقوة، وأن يرفع وتيرة التفاعل عندما يجد الحقيقة محاصرة، وعندما يجد الحقيقة مقيَّدة، ويكون هذا بدافع الغيرة والمبدأ، الساحة الثقافية فيها الكثير من الأمراض، تفتِّش عن مصداقية الكثيرين ممن هم قادرون على العطاء والإصلاح، والساحة تدعو أولئك الذين التزموا الصمت واعتزلوا المنابر ليشكّل الطرفان نهرا غزيرا يروي نفوسنا وعقولنا، ليعود الألق في أبهى صوره.‏

إرسال تعليق

أحدث أقدم