مفهوم القوة بين الردع النووي والردع الإلهي



من المهم جدا أن نقرأ معنى القوة في منهج الإمام علي (عليه السلام)، فالعالم اليوم يعيش حالة من الاضطراب الشديد بسبب الاختلال في الأفكار والأيديولوجيات، وقد ذكرنا سابقا أن كثيرا من التصرفات التي يقوم بها البشر هي نتيجة لنوع الأفكار والمفاهيم الموجودة في أذهانهم، والتي تحركهم في هذا الطريق أو ذاك.


ومن ضمن هذه المفاهيم مفهوم القوة، وقد تطرقنا لأنواع القوة، لكن المشكلة اليوم أن العالم لا يفهم أي منطق سوى منطق القوة الغاشمة، القوة العنيفة، القوة الصدامية، ليس هناك فهم لمعنى القوة الحقيقية النابعة من قوة الله سبحانه وتعالى ومن نظامه الكوني المتوازن، والسنن الكونية الشاملة.


والقوى العظمى تفهم القوة بمعنى الردع النووي، فتلجأ لتطوير السلاح النووي وتعبئة ترساناتها لحماية نفسها كما تزعم، وحسب الظاهر يُقال أن تسع دول تمتلك السلاح النووي، وتمتلك هذه الدول 13 ألف و 80 قنبلة نووية ورأس نووي بما يكفي لتدمير العالم كله.


في سنة 1945 ألقيت قنبلة نووية واحدة على مدينة هيروشيما، أدت إلى مقتل 100 ألف إنسان، القنابل والصواريخ والرؤوس النووية الآن أكثر، وتمتلك أمريكا وروسيا 90% من هذه الأسلحة النووية، وكل هذا تحت عنوان واسم الردع، فماذا يفيد الردع إن انهار في لحظة ما واصطدمت هذه القوى الكبرى فيما بينها.


وهذا كله نتيجة لاختلال مفهوم القوة في أفكار هؤلاء، وسيطرة مفهوم القوة الغاشمة والهيمنة والصراع، بسبب هؤلاء السياسيين الملوثة أفكارهم، بالعنف والكذب والخيانة والانتهازية والتلون والازدواجية، وقيادة العالم نحو الهاوية وهذه من اهم السلوكيات الكارثية التي تعاني منها البشرية. في السابق كان هناك ايضا تسليح وردع لكن كل هذه القوى اصطدمت بالنتيجة فيما بينها في حروب شديدة.


وعلى العكس من ذلك أن هذا التسليح الشديد يحفز العالم على التسليح المضاد وإلى إنتاج المزيد من السلاح بسبب الخوف من الآخر وعدم الثقة به، وهكذا فكل طرف يريد أن يمتلك السلاح الأقوى الأكثر فتكا لكي يرعب الآخرين.


ولكن قد ينقلب السحر على الساحر ويتحول التسليح الى تدميرية ذاتية تستنزف كل القوة الذاتية، كالإنسان الذي يريد أن يحمي نفسه في داخل بيته، فيضع مسدسا في بيته، لكن هذا المسدس يقع في يد طفله فيلعب به ويقتله او يقتل من في البيت.


مفهوم الردع الإلهي

ولكن الردع الحقيقي ينبع من عند الله عزوجل وهو بناء منظومة التقوى والورع، وهو الذي سيردع الإنسان عن الشر وعن الوقوع فيه، وعن الصدام والوقوع في الحرب وعن الوقوع في مستنقع الرذائل.


فالردع الحقيقي هو الورع عمّا يغضب الله تعالى، وذكرنا سابقا أن منظومة القيم هي التي تردع الإنسان، عن الاجرام والعنف، وعن استخدام السلاح ضد الآخر وقتله.


فما هو مفهوم الردع الإلهي؟ وما هو معنى القوة عند الامام علي (عليه السلام)؟


القوة الحقيقية

النقطة الأولى: أن القوة الحقيقية تنبع من الله سبحانه وتعالى، هو القوة المطلقة، لذلك لابد لكل قوة إذا أرادت أن تكون سليمة وصحيحة ومقتدرة، أن تنبع من قوة الله سبحانه وتعالى، وإلا إذا كانت معاكسة لقوة الله، فإنها سوف تكون قوة غاشمة ومدمِّرة، وليست قوة بناءة وصالحة.


الإمام علي (عليه السلام) يقول: (كُلُّ شيء خَاشِعٌ لَهُ وَكُلُّ شيء قَائِمٌ بِهِ غِنَى كُلِّ فَقِيرٍ وَعِزُّ كُلِّ ذَلِيلٍ وَقُوَّةُ كُلِّ ضَعِيفٍ)، فالمخلوقات تخشع لله تعالى خشوعا يقينيا، والفرق بين الخشوع والخضوع، الأخير يأتي عن ضعف للآخر فيخضع الى المسيطر المهيمن بالقوة والإكراه، أما الخشوع والخضوع لله سبحانه وتعالى فهو طوعي، ونابع من الإيمان بالله عزوجل وبقوته المطلقة، لأن قوة الله سبحانه وتعالى هي غنى للإنسان وقوة وعزة له، بحيث تخلصه من الذل في مقابل قوة الطغاة والظالمين، والحكام الفاسدين المتلاعبين بالبشر، هؤلاء يذلون البشر ويستعبدونه ويفقرونه ويدمرونه.


هذا هو الفرق بين القوتين، والإمام علي (عليه السلام) يريد أن يوصف ما هي قوة الله سبحانه وتعالى وكونها هي القوة الحقيقية، وإذا أراد الإنسان أن تكون لديه قوة حقيقية فلابد أن تنبع من قوة الله سبحانه وتعالى لأنها ستكون عزة للناس، وليست ذلة، وغنى للناس وليس فقرا، وسلاما للناس وليس حربا.


لذلك عندما نقرأ أسماء الله الحسنى، تعطينا الدروس والمعاني والأخلاق الإلهية، وتعلمنا هذه الأخلاق حتى نسير وفقها، ونتعلم من الله سبحانه وتعالى ما هي الممارسات السلوكية الصحيحة، وكيف نتعامل مع الآخرين حتى نسير بصورة صحيحة، وقال الله سبحانه في كتابه الحكيم: (أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً) فلا قوة في مقابل قوة الله سبحانه وتعالى، وكل قوة تقف في مقابل قوة الله تعني أنها تدمير للإنسان.


القوة الذاتية

في آية قرآنية: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) الذاريات 58. مفردة المتين مشتقة من المتن تعني الأساس والمحور والعميق المتجذّر والمركزي، أي قوة ذاتية وليست قوة مكتسبة كقوة البشر.


قوة الله تعالى دائمة، أما قوة البشر فهي زائلة، وقوة الله ذاتية لكن قوة البشر عرضية لأنها مكتسبة، وقدرة الله تعالى كاملة ولكن قوة البشر ناقصة، فالبشر قوته تنتهي عند حد معين وتزول، بدليل عندما يموت الإنسان تنتهي قوته، مهما كان يملك من قدرة وأموال وجيوش تنتهي قوته.


الاقتدار المطلق

(ذو القوة المتين) إغناء للبشر، وقوته هي الأساس، والقوى الأخرى كلها هامشية، المتين مشتقة من (المتن)، وكل القوى الأخرى هي على الهامش، قوته اقتدار مطلق، وقوته منتجة، فيها كل الخير، تحقق الانسجام والتوازن والتآلف فيما بين البشر، وتحقق التوازن بين القوي والضعيف. 


يقول سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ) هود 52. أي أن كل الخير وكل النعمة وكل السلام والهدوء والاستقرار، وازدهار الزراعة والصناعة والتجارة تأتي من خلال اتباع قوة الله سبحانه وتعالى، والاستغفار والتوبة له.


يرسل عليكم السماء مدرارا فتفتح السماء بالخيرات ويزدكم قوة بالنماء والخير، فمن هنا تنبع القوة الحقيقية، (ولا تولوا مجرمين) في مواجهة القوة الإلهية والخروج عن إطارها، نحو الطغيان والإجرام والاستبداد، وتدمير البشر والحرث والنسل، هذا هو الفرق بين القوتين، فقوة الله تعالى هي بناءة بالرزق المدرار، وقوة الطغيان المنفلتة مدمرة بالحروب والاستئثار ونشر الفقر.


قوّة المساواة

النقطة الثانية: إن القوة الحقيقية في المساواة، يقول الإمام علي (عليه السلام): (وَالْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ فِي خَلْقِهِ إِلَّا سَوَاءٌ)، فليس هنالك فرق في قوة الله تعالى وفي قواعده كلهم واحد، ليس هناك قوي وضعيف، وهذا هو معنى المساواة الحقيقية، فمفهوم القوة عند بعض المذاهب والأيديولوجيات يتمثل بـ (البقاء للأصلح) أي البقاء للأقوياء، بحسب "الانتقاء الطبيعي"، لكن هذا كله وهم ولاينتج الا مزيدا من البؤس والظلم والفقر والتفاوت، لأنه ليس هناك تكافؤ في الفرص فالضعيف صارا ضعيفا لأنه لم يحصل على فرصته في الحياة حتى يستطيع أن يكون قويا، الضعيف ضعيف لأنه فقير ولم يحصل على فرص التعليم الجيد ولا على المهارة اللازمة ولا على المال الكافي لكي يعيش بكرامة.


فهو ضعيف ليس استنادا إلى معيار الانتقاء الطبيعي، بل لأنه لم يحصل على الفرصة المناسبة له، فالنظام والسيستم الموجود سلب منه تكافؤ الفرص، فلم يكن هناك مجال لكي يستطيع أن ينمو نموّا صحيحا، لكن المساواة الحقيقية عند الله سبحانه وتعالى أن يكون هناك تكافؤ في تحصيل الفرص بين جميع الناس، الفقير منهم والغني، القوي والضعيف، وهذا هو معنى العدل الإلهي.


في العدل الإلهي لا يُظلَم أحد، والإنسان الضعيف ولا توجد عنده فرصة فهو إنسان مظلوم، ظلمه مجتمعه، ظلمه الناس، لذلك ففي الشريعة والعدل الإلهي أن كل أنواع الاستبداد والاعتداء والاستئثار والاحتكار والطغيان ظلم وحرام، لأنها تعطي معنى موهوما وزائفا للقوة، لذا فلا معنى لمفهوم (البقاء للأصلح) والفرص كلها يجب أن تكون متكافئة بين البشر.


قوة اللين والرحمة

النقطة الثالثة: إن القوة في اللين، حيث يقول الإمام علي (عليه السلام): (وحزما في لين)، بمعنى أن القوة والشدة والانضباط والالتزام والإدارة والقيادة لابد أن تُدار باللين، ولا خروج لعملية الشدة والحزم عن اللين، لأنه لا معنى حينئذ لعملية الإدارة والقيادة والتعامل مع الآخرين، حيث تتحول إلى عملية إكراه وفرض وقسوة وخشونة ضد الآخر، لذا يجب أن تكون الإدارة والحزم بطريقة لينة، والآية القرآنية التالية تفسّر هذا المعنى.


يقول الله سبحانه وتعالى في وصف رسول الله (صلى الله عليه وآله): (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) آل عمران 159. هذه الحزمة كلها تعبر عن مفهوم القوة والحزم في اللين، وهي واضحة من ناحية الاستغفار والمشاركة والتعاون والرحمة والتسامح والمشاورة.


ويجب أن لا يكون غليظ القلب بل يكون قلبه سائلا مرنا مفتوحا للآخرين، ويعفو عنهم ويمارس عملية المداراة معهم، ومع ذلك يشاورهم في الأمر، هذا هو معنى القوة، وأي فرد يريد أن يستخدم القوة في معنى آخر ويقول أن القوة في العنف والقسوة، فهو يناقض القوة في المفهوم الإلهي ورسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم السلام).


إن القضية الإلهية مرتبطة باختيار البشر (لا إكراه في الدين)، الاختيار الطوعي والتفهم والتعقل حتى يستطيع أن يتكامل في عملية بناء الإنسان تكاملا طوعيا، وقائم على الوعي والفهم، لكن القوة العنيفة لا تسمح للإنسان بأن يكون فاهما متعقلا، بل تجعله ملتزما بالقوة التي تجبره، فيكون مكرها على الطاعة خوفا وليس اقتناعا.


قوة الله تعالى حكيمة

لا يوجد لدينا في الإسلام القوة المفرطة، هذا النوع من القوة يستخدمه الآخرون، أما في الإسلام فتوجد لدينا القوة اللينة والمرنة والرحيمة، والقوة التي تعطي قوة للإنسان من خلال عقله وفهمه، وليس من خلال تخويفه وإجباره، بل يعي ويلتزم من خلال إيمانه الواعي بالدين.


هذا هو الإيمان الذي ينبع من خلال اختيار الإنسان، لذلك لا معنى لأي قوة مفرطة، لهذا ذكرنا الآية القرآنية التي تقول (ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تولوا مجرمين) لأن القوة الغاشمة هي قوة إجرامية، أما القوة النابعة من الله سبحانه وتعالى، فهي قوة ذكية حكيمة ومنها تنبع السلامة والأمان، قوة المقتدرين، وعكسها قوة العاجزين أو الفاشلين.


قوى الله تعالى تحقق الالتزام لأنها قائمة على المشاركة والقناعة، لو أننا لاحظنا في دولة معينة أن الحاكم مسيطر بجيشه وأجهزته الأمنية، فالناس يخشون هذا الحاكم ولا يفعلون شيئا لأنهم خائفون مكرهون، ولكن بمجرد أن تزول قوة الحاكم تصبح قوته لا شيء وتنتهي، لأن الناس ليس عندهم قناعة بالحاكم ولا بحكومته.


لكن نلاحظ أن الناس يلتفون حول رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحول الإمام علي (عليه السلام) كما في الآية الكريمة: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا)، لأن الناس وجدوا في الرسول الصادق الأمين والرسول القوي بأخلاقه، (وإنك لعلى خلق عظيم)، والامام علي (عليه السلام) الحاكم العادل المنصف الزاهد، هذه هي القوة الحقيقية قوة الاخلاق والصدق والواقع.


يقول الإمام علي (عليه السلام): (الحزم كياسة)، والكياسة هي الذكاء والفطنة، الحزم ذكاء والقوة الغاشمة قوة غبية، والقوة التي تعتمد على إرغام الآخر ليست ذكية، القوة التي تعمل على إقناع الآخر هي القوة الذكية، ويقول (عليه السلام): (الحزم صناعة)، (ثمرة الحزم السلامة)، (من لم يقدمه الحزم أخّره العجز).


القوة الغاشمة تعني العجز والفشل

من مفاتيح النهضة والتقدم عند الإمام علي (عليه السلام) الحزم، لأنه يدفع بالإنسان نحو الأمام، أما في مقابل الحزم، أي القوة الغاشمة المفرطة والعنيفة، فهي تعني العجز، ودائما تؤدي إلى التخلف والرجوع إلى الوراء أو البقاء في حالة الجمود والسكون، فالقوة العنيفة غبية وفاشلة وعاجزة، لأنها لا تدير أرواح البشر، نعم هي تدير أجسادهم، لكنها لا تستطيع أن تتحكم بأرواحهم ولا تسيطر على قلوبهم، السيطرة الحقيقية على القلوب تنبع من الإيمان والقناعة بذلك الحاكم وبتلك المبادئ.


لذلك فإن السلطة الحقيقية التي تسيطر على القلوب والأفكار، هي سلطة اللين، والحزم في لين، يقول الإمام علي (عليه السلام): حول العفو عند المقدرة: (عند كمال القدرة تظهر فضيلة العفو)، فالقدرة الحقيقية تظهر بصورة جليّة في حالة العفو.


القوة الحقيقية قوة الغفران

إن القدرة والقوة هي في عملية تكامل وتصاعد، لذا فكلما يزداد الإنسان قوة ينبغي أن يزداد سلما وعفوا وتسامحا وغفرانا، هذا هو معنى القوة، والقوة الحقيقية هي قوة الغفران، قوة العفو والتسامح والصفح، ويقول الإمام علي (عليه السلام): (من لانت عريكته وجبت محبته)، مفردة عريكته تعني طبيعته الذاتية.


الإنسان الذي تكون طبيعته الذاتية لينة وجبت محبته، سبب ومسبّب، تكون محبته واجبة لأن الناس يميلون إلى الإنسان اللين، السلس، السهل، اليسير، ولا يحبون الإنسان العنيف المتشدد ذا الأخلاق الصعبة، بل يحبون الإنسان الذي تكون طبيعته سلسلة.


المحبة تعني الهيمنة والسيطرة على القلوب، يقول الإمام علي (عليه السلام): (من لان عوده كثفت أغصانه) وهذا تعبير رائع جدا وجميل، أي لا يكون عوده صلبا متشددا، الشجرة اليابسة ميتة، لا حياة فيها، أما الشجرة الخضراء اللينة، تتحرك وتميل مع الهواء، هذه الشجرة تكون مثمرة حية تعيش الحياة، وتكون أغصانها كثيفة جدا، وهذا تعبير مجازي رائع جدا عن الإنسان الذي يكون لينا فيكون مثمرا دائما وينمو ويعيش حياته بسعادة.


الهيّن القريب الليّن السهل

كلمة أخرى لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، حول موضوع القوة والحزم في اللين قال فيها: (ألا أخبركم بمن تحرم عليه النار غدا؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الهين القريب اللين السهل)، الهيّن في مقابل الصعب فيكون سهلا دائما في التعامل ولا يعقد الأمور ولا يصعّبها، يتفاهم مع الآخرين ويتسامح ويغفر ويتوب، (الهين القريب) تعني الذي يقرّب الناس إليه، لأن الصعب والمتشدد والعنيف تبتعد عنه الناس.


و(اللين السهل) بمعنى الإنسان السهل الذي يسهّل الأمور على الناس، (إنما يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وهذه قاعدة في الحياة، أهم شيء هو التيسير على الناس، والذي يستعمل اللين مع الآخرين هو إنسان سهل هيّن لين في أخلاقياته وسلوكياته.


القوة في الدين

النقطة الرابعة: القوة في الدين لأن القوة تكون محاطة بقيم تردع الإنسان عن الوقوع في الهاوية وفي استخدام العنف والقوة المفرطة، ضد الآخرين، فالدين فيه قوة فطرية تحصن القوة من الانفلات، مثل الإيمان والأمانة والصدق والإنصاف، وتردع الإنسان أيضا من الأخطاء وتجاوز الحدود الأخلاقية والشرعية.


قوة الدين تحمي وتحقق احترام حقوق الآخرين، وتعني إنسانية القوة لأنها قائمة على المبادئ والقيم الفطرية، فتؤدي إلى الانضباط الذاتي، وإلى الحرية الفردية التي تنبع من الإيمان، كذلك فإن قوة الدين تقوم على الإقناع وليس الإكراه، فالإكراه كقوة تؤدي إلى التحطيم والتدمير والتأثير السلبي، وانشقاق الناس، وانشطارهم إلى فئات متصادمة.


بينما الدين يوحد الناس، ويجعلهم متسالمين ومنسجمين، لأن قوة الدين ذاتية، وليست طارئة تقوم على الإغراءات مثل السلطة، لأن قوة السلطة المزيفة دائما تريد أن تجمع الناس حولها، من خلال الإغراء بالمال أو بمنصب أو بأي شيء آخر، بينما قوة الدين ذاتية قائمة على التقوى والورع عن محارم الله والإيمان الذي يعد أساس الالتزام بالدين.


كذلك عندما يلتزم الإنسان بالدين، فإنه سوف يلتزم بكل أحكامه، وكل حدوده، فيصبح مرتدعا عن أي انفلات خارج حدود الدين وعدم ظلم الآخرين، أو الاعتداء عليهم.


لا يمكن أن تكون في الدين قوة غاشمة وعنيفة، وهذا خطأ كبير جدا في فهم الدين، بل هذا الفعل محاولة واضحة لتطويع الدين واستغلاله لمصالح شخصية أو فئوية، فلا يوجد عنف وقوة غاشمة في الدين، لأن أساس الدين (بسم الله الرحمن الرحيم)، فالرحمة إطار يمنع الانفلات خارج هذه الحدود، فأي فرد يستعمل القسوة والعنف لا علاقة له بالدين.


كلام الإمام علي (عليه السلام) يجيب عن التساؤلات حول القوة في الدين، حيث يقول (عليه السلام): (وَلَوْ كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ أَهْلَ قُوَّةٍ لَا تُرَامُ وَعِزَّةٍ لَا تُضَامُ وَمُلْكٍ تُمَدُّ نَحْوَهُ أَعْنَاقُ الرِّجَالِ وَتُشَدُّ إِلَيْهِ عُقَدُ الرِّحَالِ لَكَانَ ذَلِكَ أَهْوَنَ عَلَى الْخَلْقِ فِي الِاعْتِبَارِ وَأَبْعَدَ لَهُمْ فِي الِاسْتِكْبَارِ وَلَآمَنُوا عَنْ رَهْبَةٍ قَاهِرَةٍ لَهُمْ أَوْ رَغْبَةٍ مَائِلَةٍ).


قوة المبادئ

لو أراد الله سبحانه وتعالى أن يعطي للأنبياء قوة الملوك والجيوش، لما بقيَ للدين معنى، ففي هذه الحالة سوف يتبع الناس الأنبياء أما خوفا أو طمعا واستجابة لإغراءات مادية وبحثا عن السلطة والمنصب، لكن قوة الأنبياء قوة مبادئ كالتقوى والورع وإصلاح الناس، وهذه هي وظيفة الأنبياء لأنهم أصحاب رسالة، هذا هو معنى القوة التي تصلح الناس، لأن تلك القوة المزيّفة قوة الملوك تُفسد الناس، بينما قوة الأنبياء والدين تصلح الناس.


القوة في الاتعاظ والاعتبار

النقطة الخامسة: القوة في الاتّعاظ والاعتبار، فكلما كان لدى الإنسان عبرة واعتبار عند الآخرين، تزداد قوته، وكلما يضعف اعتباره واتعاظه من عبر الحياة والماضي والتاريخ تضعف قوته، فهؤلاء الذين يفشلون دائما لأنهم لم يقرأوا التاريخ جيدا، ولم يحفظوا شيئا مما مضى من التاريخ كي يستفيدوا منه لإصلاح أنفسهم وتجاوز الأخطاء والعثرات.


يقول الإمام علي (عليه السلام): (وَاتَّعِظُوا فِيهَا بِالَّذِينَ قَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ فَلَا يُدْعَوْنَ رُكْبَاناً)، فهؤلاء الذين حكموا بالجيوش والأموال والسلطان والقمع والإرهاب، هؤلاء حينما دُفنوا في القبور، لم تفدهم تلك الجيوش، لذلك عليكم أن تتعظوا من هذه العِبَر وتفهموا أن هناك معنى ثانٍ للقوة.


وجاء في القرآن الحكيم: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا) فاطر/44.


القوة في الحق والضعف في الباطل

النقطة السادسة: القوة في الحق والضعف في الباطل، فكلما سار الإنسان في طريق الحق صار قويا، وكلما سار في الباطل صار ضعيفا، يقول الإمام علي (عليه السلام): (الذَّلِيلُ عِنْدِي عَزِيزٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ لَهُ، وَالْقَوِيُّ عِنْدِي ضَعِيفٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ)، فمفهوم القوة عند الإمام علي (عليه السلام)، القوة في الحق والضعف في الباطل.


فمن يمارس القوة بالباطل يتصدى له الإمام علي (عليه السلام)، فهذه ليست قوة وإنما هي باطل وعجز وفشل واستبداد، فالمستبدون فاشلون، وهم يعيشون حقارة داخلية في أنفسهم، فيريدون أن يغطوا هذه الحقارة من خلال الهيمنة والسيطرة على الآخرين وإذلالهم، واستغلالهم وانتهاك حقوقهم.


قوة حرية التعبير

النقطة السابعة: القوة في حرية التعبير، وهي تعني أن الإنسان يستطيع أن يعبر عن نفسه ورأيه وحقوقه باطمئنان نفسي، فهذا الإنسان سوف يكون قويا، بحسب الأجواء الموجودة كأن تكون عندنا حرية تعبير مكفولة، ولا يخاف الإنسان من المطالبة بحقه، فهذه تعد قوة حقيقية، أما إذا كنا في أجواء الخوف من المطالبة بالحقوق بسبب عدم وجود حرية التعبير، فهذه قوة غاشمة وباطلة قائمة على إرهاب الآخرين.


يقول الإمام علي (عليه السلام) في كلام طويل بعهده لمالك الأشتر حول كيفية تعامل الوالي مع مع الناس: (وَاجْعَلْ لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْكَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِيهِ شَخْصَكَ وَتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَامّاً فَتَتَوَاضَعُ فِيهِ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَكَ وَتُقْعِدُ عَنْهُمْ جُنْدَكَ وَأَعْوَانَكَ مِنْ أَحْرَاسِكَ وَشُرَطِكَ حَتَّى يُكَلِّمَكَ مُتَكَلِّمُهُمْ غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) يَقُولُ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّةٌ لَا يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهَا حَقُّهُ مِنَ الْقَوِيِّ غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ). أي أنه يتكلم بثقة وراحة وغير متردد أو متلعثم.


نلاحظ أحيانا شخصا ما حين يراجع دائرة رسمية فهو يخشى من الموظف ويقول له سيدي، وهذا دليل على أنه خائف ولا يستطيع أن يطالب بحقه، ويظلم، وهذا دليل على أن الحكم باطل، لأن الحكم الحقيقي حين يستطيع الضعيف أن يتكلم بحقوقه دونما خوف أو تردد، يتكلم بسلاسة ورأسه مرفوع عزيز وكريم.


الأمة التي تستحق التقديس هي التي تكون منزّهة ونظيفة طاهرة، ولكن الأمة التي ليس فيها حق للضعيف وحرية التعبير ليست مكفولة له تكون فاسدة، غير نزيهة ولا طاهرة، ولذلك لن تُقدَّس أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه من القوي.


هذه هي القدسية التي تعبر عن طهارة المجتمع ونزاهته ونزاهة الحاكم، وقوة النزاهة هي معنى القوة عند الإمام علي (عليه السلام) وهو مفتاح أساسي من مفاتيح النهضة في مسيرة تقدم الأمم. 

إرسال تعليق

أحدث أقدم